عدنان زرزور
19
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
وأخلاقهم وأعمالهم . . . وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع ، وإما بالعمل الصالح . « والعلم له مبدأ : وهو قوة العقل الّذي هو الحفظ والفهم . وتمام : هو قوة المنطق الذي هو البيان والعبارة . والعرب هم أفهم من غيرهم وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة . ولسانهم أتم الألسنة بيانا وتمييزا للمعاني . . . « وأما العمل فإن مبناه على الأخلاق ، وهي الغرائز المخلوقة في النفس ، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم ، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء ، وغير ذلك من الأخلاق المحمودة . لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير معطّلة عن فعله . ليس عندهم علم منزل من السماء ، ولا شريعة موروثة عن نبيّ ، ولا هم أيضا مشتغلون ببعض العلوم العقلية المحضة . إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب ، وما حفظوه من أنسابهم وأيامهم ، وما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم ، أو من الحروب . « فلما بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالهدى ، الذي ما جعل اللّه في الأرض ، ولا يجعل منه أعظم قدرا ، وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة لهم ، ومعالجتهم على نقلهم عن تلك العادات الجاهلية والظلمات الكفرية ، التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرتهم ، فلما تلقوا عنه ذلك الهدى العظيم زالت تلك الريون عن قلوبهم ، واستنارت بهدي اللّه الذي أنزل على عبده ورسوله ، فأخذوا هذا الهدي العظيم بتلك الفطرة الجيدة ، فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم ، والكمال الذي أنزل اللّه إليهم ، بمنزلة أرض جيدة في نفسها ، لكن هي معطلة عن الحرث ، أو قد نبت فيها شجر العضاه والعوسج ، وصارت مأوى الخنازير والسباع ، فإذا طهرت عن المؤذي من الشجر والدواب ، وازدرع فيها أفضل الحبوب والثمار ، جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله » « 1 » .
--> ( 1 ) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ، لشيخ الإسلام ابن تيمية ( 661 - 728 ه ) تحقيق محمد حامد الفقي ص 160 - 162 المطبعة السلفية .